حرب إيران — الأسبوع الرابع
في لعبة الجبان، من يبدو على استعداد للاصطدام يجبر الآخر على الانحراف. لكن ماذا يحدث حين كلا الطرفين يُقنع العالم بأنه لن ينحرف — ثم ينحرف كلاهما في الخفاء وينكران ذلك؟
أمس الإثنين، أعلن ترامب أن إيران "تريد الصفقة" وأن مستشاريه التقوا بمسؤول إيراني. طهران ردّت فوراً: "لم تجرِ أي مفاوضات — هذا خبر مفبرك لمعالجة الأسواق."
ومع ذلك، انهار سعر النفط 11%، وارتفعت وول ستريت 1.4%، وكان الانتعاش الأكبر منذ بدء الحرب.
السؤال الذي لا يُجيب عنه أحد: كيف تنكر دولة أنها تتفاوض بينما أسواق نفطها تنتعش بمجرد تسريب خبر المفاوضات؟
الجزء الأول — التحليل الكامل
السياق: كيف وصلنا هنا؟
منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع، تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مفتوحة على إيران. أكثر من 2,000 قتيل مؤكد. مضيق هرمز شبه مغلق — مما أبقى ما يُعادل خُمس النفط العالمي رهين الصراع، ودفع أسعار برنت إلى قرابة 120 دولاراً للبرميل في ذروتها الأسبوع الماضي. إسرائيل تضرب طهران وبيروت. إيران تُطلق صواريخها نحو ديمونا — المفاعل النووي الإسرائيلي غير المُعلَن — رسالةً لا تحتاج ترجمة.
الحدث: ما الذي حدث؟
في عطلة نهاية الأسبوع، هدّد ترامب بـ"تدمير" منشآت الطاقة الكهربائية الإيرانية ما لم تفتح طهران المضيق خلال 48 ساعة. كان الموعد النهائي يقترب. ثم — فجأة — انقلب المشهد.
يوم الإثنين، أعلن ترامب أن مستشاريه ويتكوف وكوشنر أجروا مفاوضات مع مسؤول إيراني رفيع الأحد الماضي، وأن إيران "تريد السلام." مدّد المهلة خمسة أيام إضافية. الأسواق انفجرت ارتفاعاً — النفط هبط 11%، والداو ارتفع 631 نقطة.
ردّ فعل طهران الفوري: النفي التام. رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عبر X:
"لم تُجرَ أي مفاوضات. هذا أخبار مزيفة لتلاعب الأسواق."
لماذا الآن؟ من يستفيد؟
هنا تبدأ اللعبة الحقيقية.
كلا الطرفين في حالة إنهاك متبادل يصعب الاعتراف به علناً:
ترامب يواجه ضغوطاً اقتصادية حادة — النفط فوق 100 دولار، التضخم يعود، والذاكرة الجماعية الأمريكية للحروب الطويلة في الشرق الأوسط لا تزال حية. تمديد المهلة مع "إعلان انتصار" عبر تسريب خبر المفاوضات يُتيح له مساحة للتراجع دون أن يبدو متراجعاً. الأسواق كافأته فوراً — وهذا بالضبط ما يريده.
إيران في وضع أشد قسوة. 99% من أعمال أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتسعة أسلحة نووية مكتملة. ضرب المنشآت الكهربائية يعني انهيار البنية التحتية المدنية. ومع ذلك، النفي العلني ضروري — لأن الاعتراف بالتفاوض تحت الإكراه يُقوّض الردع الداخلي وصورة "المقاومة."
الذكاء الاستراتيجي الحقيقي: مصر وتركيا وباكستان تُقرّ رسمياً بدورها كوسيطة — وهذا ليس إعلاناً دبلوماسياً، بل إعلان نتائج. الوساطة كانت تجري منذ أيام.
نظرية الألعاب: لعبة الجبان + الغموض الاستراتيجي
هذا نموذج لعبة الجبان في أنقى صوره:
طرفان يتجهان بسرعة نحو بعضهما على طريق ضيق. من ينحرف أولاً يخسر هيبته. من لا ينحرف يخاطر بالاصطدام المدمر للجميع.
الحل الكلاسيكي — والذي طبّقه الطرفان بامتياز — هو الغموض الاستراتيجي: الانحراف في الخفاء، والإنكار في العلن.
- ترامب يُسرّب خبر المفاوضات ليبرر التمديد.
- إيران تنفيها ليبرر قياداتها للداخل سبب عدم تنفيذ تهديداتها.
كلاهما ينحرف. وكلاهما ينكر أنه انحرف.
وسط هذا الغموض، دخل لاعب ثالث ذكي: الأسواق المالية. كان ردّ فعلها أسرع وأوضح من أي تصريح رسمي — وهو بحد ذاته ضغط على كلا الطرفين للبقاء في دائرة التهدئة بدلاً من التصعيد الحقيقي.
الجزء الثاني — السيناريوهات والخلاصة
السيناريوهات: ماذا يعني هذا غداً؟
السيناريو الأول — الصفقة الكبرى (احتمال: 35%): خلال الأيام الخمسة، تتشكّل صفقة عبر القنوات التركية-المصرية. إيران تُخفف قبضتها على هرمز مقابل وقف إطلاق النار وضمانات أمنية. ترامب يُعلنها "انتصاراً تاريخياً." النفط يهبط دون 80 دولار.
⚠️ العائق: إسرائيل خارج المعادلة — نتنياهو يقول إنه سيواصل الضربات. كيف تُوقف حرباً يرفض أحد أطرافها التوقف؟
السيناريو الثاني — الجمود المُكلف (احتمال: 45%): لا صفقة، لا حرب كبرى. المهلة تنتهي بمهلة جديدة. الوساطة تتعثر. الحرب تستمر بوتيرة منخفضة — ضربات إسرائيلية متقطعة، وردود إيرانية متحسبة. النفط يستقر بين 95 و110 دولار. الاقتصاد العالمي يتكيف مع الألم.
⚠️ الخطر: التعب الاستراتيجي يدفع طرفاً للتصعيد العشوائي.
السيناريو الثالث — الانهيار النووي (احتمال: 20%): السيناريو الذي لا يتحدث عنه أحد بصراحة: إيران لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب. الضغط على منشآتها الكهربائية يجعل مسؤوليها يواجهون خياراً وجودياً. الدول التي تشعر بالخطر الوجودي تتخذ قرارات استثنائية. هذا السيناريو منخفض الاحتمال، لكنه مرتفع الكارثية.
الخلاصة
في لعبة الجبان، كلاهما يتجنب الاصطدام في اللحظة الأخيرة — لكن السرعة لا تتباطأ. الخمسة أيام القادمة ليست فرصة للسلام فحسب؛ هي أيضاً مُهلة قبل الجولة التالية من المواجهة، حيث يكون لكل طرف ورقة أصغر للتراجع وورقة أكبر للتهديد.
السؤال الوحيد الذي يهم: من سيحتاج للانحراف أولاً في المرة القادمة — ومن لم يتبق لديه مساحة لفعل ذلك؟
عبدالكريم العنزي — Astral
